Copyright ©2008, IEEMS.NET

by : rapee3.com
IEEMS
"تظل حاجة الإنسان للغزل رديفاً للعمر حتى أرذله"

الكاتبة

1- تنويعات الصراع

***
سألت نفسك: "لماذا أنا هنا؟"
يا صديقي، يامن تشبه حكايتك، حكايتي، لا تذرف دموع الوجد فتتكسر حروف الكلمات المقرورة، قذفوك لتنام على سرير الجنون، المجانين من حولك تتحرك، لا تنظر إليهم حتى لا تصاب بالغثيان، البارحة تقيأت ما في جوفك، يا أنت اصمت، كفاك غناء متداخلاً بالنحيب، مثلما فعل غيرهم بآبائهم، فعلوا هم بأبيهم، ومثلما فعل غيري من الرجال، فعلت أنا، لم يكن بمقدوري أن أحذف من تاريخ جسدي هذه الدماء البيضاء التي كانت تتوالد كالديدان من جوف الحياة، الذي ظل سخياً حتى أرذل العمر، أنتم رهن اعتقادات زائفة وعادات مقيتة، دعوني أخرج كي أمارس طقوسي، حتى تلفظ الروح عبير أنفاسها بين جسد يحتويني بحنانه، أنتم سفلة قتلة، تقتلون أباكم برصد كل خطواته التي تمنحه الحياة، لماذا حجرتم على ذاكرة جسدي؟ لماذا لم تحاسبوها هي؟!

دعوني أشرح لكم قصتي أيها الأصدقاء من متاحف التاريخ البشري، في طفولتي كان اسمي بهاء الدين، وفي شبابي الثعلب البهي، وفي شيخوختي المجنون!!
كنت ذا أرابة مذهلة، ومما أدهشني رغم فطنتي الحادة أن أقع فريسة قانون أمي، هي اختارت، وأنا رضيت امتثالاً لرغبتها، كانت صغيرة تشبه ملامحها، ابتسامة الطفولة غطت مرايا قلبي، فما عدت أبصر سواها، أقف أمام المرآة أسرح شعري بمشط أبي، أضع طربوشه الأحمر على رأسي، تزعق أمي من خلفي زعيقاً يكبل خاصرة أحلامي: أعده إلى مكانه أيها الشقي المؤذي.

أحقاً كنت مؤذياً؟!

إنني اليوم في منفى الغدر، أعلن الهزيمة، أروح وأجيء داخل ممرات طويلة، تتناوب على طرفيها أبواب غرف لزنزانات مفتوحة على الصراخ والعويل، والحركات المدهشة، والوجوه البليدة، والعيون المرعبة، ينادوننا واحداً واحداً، يندهون علي، يشيرون بأيديهم وقد مدت مثل أذرع المجسات، أسمع صوت خربشة النحيب والتوسل والخضوع، تخزني من أخمص القدمين حتى مفصل الرأس، أحني ظهري، وأذكر حزني الشديد على أمي يوم واريتها داخل قبرها بيدي، وأنا أطلب لها الرحمة، يومذاك لم أفزع من منظر التراب، ولا من العظام المبعثرة، ولا حتى من طقم أسنان جدتي، الذي كان ضاحكاً بين فكي الجمجمة المرتخية في زاوية ما.

سرى الخوف في كياني حين عدت إلى البيت تحاصرني من اختارتها أمي لأنها بنت أختها، وكنت عابساً قانطاً أبحث عن رحيق كلمة تعصر خمرتها في فمي، ليعود لوجهي بهاء الرجولة، الذي كانت تجري من حوله النساء، والآن أين هن نسائي؟ أين هم ذكوري؟ زجوا بي في مملكة المتاهات، مع أمراء وأسياد، كانوا فيما مضى رجالاً يهزون بلاط الأزقة، وإسفلت الشوارع، بحركات أقدامهم.

- لا تبكِ أيها الرجل المغتال، الرجال لا يشهقون!!
- دعني، أفضفض بسر عذابي، وإلا سأختنق.

أجهشت بالبكاء بصوت مبحوح بعد أن خامرني اليأس منهم، الصوت يصرخ ثانية:
- كفاك انتحاباً مثل النساء.

دارت بي الدنيا، ودار من حولي الزمن، كنتُ وببجاحة جريئة أعترف لمن أخاطب في غياب زوجتي بأني عبد، لا سيد، عبد لهاتين العينين الخضراوين اللتين زرعتا في قلبي وروحي لحن خلودها في ذاتي، كانت تلاصقني، تطاردني، تفاتشني، تتشاجر معي، تصرخ في وجهي، وأحياناً تغلط حين تطردني من بيتي، وأمام ذكوري السبعة، فأشعر بالريح تعوي في داخلي، أعود لأتيه بين دروب الحارات، والأزقة، أعود مخموراً برائحة الحنان، وحين تضمنا جدران الغرفة الصامتة، تصغي إلى هواجسي في أحلامي، تنهرني على كتفي، تسأل مثل محقق صارم:
- هيا اعترف من هي ؟ سمعتك تنادي باسمها!

ألوذ داخل قوقعة من الصمت متكوراً في فراشي.

تنويعات الاستقرار واللاستقرار:

نظرت إليها، ناحلة جميلة ذات عينين خضراوين تسحران الناظر، وشعر جعد قصير يلتف حول الرأس مثل زهر القرنبيط.

لم تكن المرة الأولى التي أقف فيها وجهاً لوجه منفرداً مع امرأة نصف عارية، تفوح منها رائحة العطر الجذاب المنعشة، قلت لها زعماً مني أنني أفعل، مثلما فعل أبي ليلة دخلته على أمي:

- أنا الرجل.

قاطعتني:

- وأنا امرأة

قلت مستفسراً:

- ماذا تقصدين؟

قالت:

- ما تريده مني، أريده منك.

قلت:

- سنتعب

قالت:

- أنت اخترت السؤال، وأنا أعطيتك الجواب.

أرخيت من حنجرتي ضحكة عالية، ضجت عليها جدران الغرفة، تمددت على السرير، سبحت مع أحلامي وتصوراتي وتخيلاتي، ورحت أفكر، حتى بزغ ضوء الفجر، وأنا لا أنظر إليها، ظناً مني أني أعطيتها درساً لن تنساه أبداً..!!

أهز رأسي، أخرج من الغرفة، ونظرات عينيها الدافئة الولهة المشتعلة أواراً ساخناً، تطاردني، تتصارع الأفكار في داخلي، تضطرب، وإحساس بالضعف والتقهقر يزمهر في داخلي بساتين شوقي، وانفلات وجعي، أصبحت ملكاً لهذا القدر العنيد، من عسف أمي، في اختيارها لي بنت أختها.
بعد مدة كررتها:
- ألم أقل لك أنا امرأة.

طاشت الصفعة نحو خدها، تركت أثرأ، ناورتني عليه خالتي أخت أمي، بتهديد من وعيد، وهي ترغي، وتزبد في الكلام، لكن الحرب التي قامت ضد العسكر الفرنسي، جعلتني أؤرخ هذا اليوم في ذاكرة عقلي، وأنا أستنهض العزيمة في روحي، وروح رفاقي من الجنود السوريين، نناور الفرنسيين، نخندق لهم الكمائن، وكلما ظفرنا برأس أو رأسين، كنا نهتف ملء جوارح الفرح:
بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان

بعد عودتي من معركة كبيرة، دخلت البيت، سمعت ضجة وجلبة غير عادية، وصوت صراخ يتأوه موجوعاً مفزوعاً سألت بفزع:
- ما الحكاية؟

ظلت قدماي ثابتتين في مكانهما، النسوة تخرج من الغرفة، تعود حاملة سطل ماءٍ ساخنٍ، حتى ندت صرخة أليمة طويلة، أوجعت ذهني وقدرتي على الوقوف، كنت جامداً، أنتظر أن أسمع صوته، أخيراً تهاويت على طرف البركة، وضعت يدي على قلبي كأني أسنده من الوقوع، وزغاريد النسوة تصدح، وترن في أرجاء البيت كله.

تتالت أفراح أمي بأحفادها الذكور، ثم تركتني وخالتي وحيداً مع صراعات أم الذكور السبعة، وبنت وحيدة اسميتها وحيدة.


اللعب مع الفئران:

حرضني اليتم الذي وجدت نفسي فيه على ترك المدرسة بعد أن حصلت على شهادة "السرتفيكا"، أخوض في تجارب الحياة المرة، بين شوارع المدينة الهادئة، وأزقة حاراتها الضيقة غير آبه آنذاك بصفير عسكر "الجندرما" الذين كنا نطاردهم ونرصد لهم الكمائن كما كمائن الفئران في الحانات والخانات، وبين سكون البيوتات العربية المتلاصقة.

كنت مثل طائر يملك خبث الثعلب، يظهر فجأة، ويختفي فجأة، وكان الفضل في هذا يعود إلى النساء اللواتي كن يساعدنني في القضاء على العسكر المخمورين المتسكعين، وهم مترنحون بين ظلام الليل وسكينة الشوارع حتى جمعت ثروة من بيع الأسلحة التي كنت أصادرها جعلتني فيما بعد أصبح تاجراً كبيراً.

بعد الانتصار ورحيل آخر جندي فرنسي، تحجرت مشاعر زوجتي، أعلنت نفورها من ممازحتي ومجالستي، تركتني لوحشة غريبة داهمتني بعد سبعة عقود مضت، أكبر أولادي الذكور، يهجم علي مثل وحش كاسر، أو عدو لدود، يصرخ في وجهي أمامها:
- انهض، أيها العجوز المتصابي، ألا تخجل!.

تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، ولدي يهددني وعلى مرأى من الناس، وأمام حارس الحديقة، لم أرتكب إثماً أو ذنباً شنيعاً، إنها من ذكرى أيام زمان، نجلس كي نشكو همومنا، نداعب الطبيعة بكلام طيب لطيف، إنها امرأة شريفة، يعز علي أن تشتمها بعرضها، يعز علي أن تتهمها بالفجور من دون أن ترحم عمري، أو حتى تفكر بكرامتي، أي الرجال يحتويه قلبك الحاقد الأسود، لأنك رأيتني أجلس بقرب امرأة تشبهني، تشبه لغتي، حركت أنفاسي، تتعدى علي وتتآمر مع إخوتك، لأكون هنا بين المجانين، كل هذا فعلتموه، لأجل الثروة والإرث، لم يكن سببه خوفك من الكارثة التي ستضج بها على رؤوسكم من قالت لي ليلة الزفاف: ما يحق لك، يحق لي.

لأجل العشرة وطول السنين لم أتخل عنها، كنت عاقلاً وموقناً إنها جاهلة، والآن تعربد في وجهي وسط جمهور من الناس وتصرخ، تشتم صديقة أنسي، ترفع يدك في وجهي تريد ضربي، ولأنك أردت ضربي قذفت بي بالاتفاق مع إخوتك بزجي في مصحة ابن خلدون لألعب مع المجانين وأخطط لهم كيف نصطاد فأراً ..!!

تنويعات العمر المدهش ......... قصة / سها جلال جودت