Copyright ©2008, IEEMS.NET

by : rapee3.com
IEEMS
قصة سيد البئر ...............نهى رجب محمد
تمنيتُ أن تكون لي، ذهبتُ إلى عرّافة الجبل، أعطتني تعويذة علقتها في عنقي. قالت: (إذا رأيتِه قرابة البئر فاقتربي منه وانظري في عينيه، ثم امسحي على التعويذة، وبعد ثلاث ليالٍ سيأتيك بالورد البري ويقول لك ما تحبين).

أفقتُ مبكّرة وانطلقت إلى البئر، أنتوي أن أنفّذ كلمات العجوز حرفيًّا، تبخترت في ثيابي على الجسر الخشبي، وعندما مرَّ قربي نظرت إليه ومسحتُ على التعويذة، ثم عدت أدراجي وجلست منتظرة ثلاث ليال، لكنه لم يدق بابي، ولم يفعل شيئًا؛ ثارت ثائرتي ورجعت إلى الجبل غاضبة في وجه العرافة:

ـ نفذت وصاياك ولم تتحقق نبوءتك، ردّي إليَّ مالي أردد إليك تعويذتك، سألَتني في ثبات:
- هل نظرتِ إليه؟
- نعم.
- وهل نظرَ إليك؟
- لا.
- تتحقق نبوءتي إذا التقت عيناكما.
- كيف يراني؟!
- لا أعرف.
جلستُ على العشب الطري أفكر ماذا أفعل، اشتريت ثوبًا أرجوانيًّا ودفعت نصف مالي على زجاجة عطر فوَّاحة، ثم عصبت رأسي بعصابة من حرير دمشقي أحمر، ارتديتُ أقراطًا زرقاء شفّافة، وخلخالًا فضيًّا في قدميَّ، لم أنس التعويذة حول عنقي.

عاودت الكرَّة، خرجتُ في الصباح، كلما دقّت قدماي الأرض سمعت رنّة خلخالي مجلجلة. رفع رأسه ثم نظر إليَّ وقال:

- لماذا تأخرتِ اليوم؟
- وهل تنتظرني كل صباح؟
- أنت تضيعين الوقت في الزينة.
- أنتَ تبالغُ في الاهتمام بنظافة البئر.
- أريد أن أسقيك ماءً زلالًا نظيفًا.

ناولني كوب الماء، شربت حتى أطفأت الظمأ دفعة واحدة.
( أخيرًا نجحت نبوءة العرافة ولكنني نسيت أن أمسح على التعويذة)

- هل تقولين شيئًا يا جميلة؟
- لا يا سيد البئر.
- جميل هذا اللقب.
- ولكنني لست جميلة.
- هل تكذب عيناي ويصدق كلامك؟
- من أين تأتي كلماتك؟
- أرتّبها منذ سنين، ولا أجد الجرأة لأبوح بها.
- هل سمعتَ رنة خلخالي؟
- أنا لا أحتاج خلخالًا لأسمع دبيب قدميك، أعرف أنك ستأتين
(ظننتُ أن كلام العرافة يَصدق)

- هل أعجبتكَ قلادتي؟
- وهل أعجبكِ زرعي؟
- زرعك نضَر وقمحك غزير.
ـ متى تأتين وتطحنين في داري وتصنعين خبزي؟
- عندما يأتي موسم الحصاد.
- عمت مساءً يا سيد البئر.
- انتظري أوقد لك النار تنير الطريق.
- أنت أولى بنارك تدفئك فما زال القمر في السماء.
- دعيني أرافقك حتى تعبري الجسر.
- لا.. ابقَ إلى جوار بئرك ربما احتاجك عابر سبيل في شربة ماء.
- البئر مملوءة والكأس نظيفة لمن أراد، ما الداعي للبقاء طيلة الوقت إلى جوار البئر؟! أحب أن أرافقك.
- ألا تخشى عبث الصبيان، يلقون بحصاهم داخل البئر، ويقطعون زرعك.
- عندي كلبي رابضًا بالباب سيحمي حماي.
- كيف أعود إلى عشيرتي ومعي رجل غريب؟
- كيف تسيرين في مزارع الليل بلا رجل؟! أنا أَنِست إليك دعيني آت معك!
- أنا لمّا أعرفْكَ بعد، أخشى منك.
- جرّبي رفقتي.
- الليل خوّان، والخلوة فيه توقع في الخطيئة.
- لماذا أنتِ عنيدة إلى هذا الحد أترفضين حمايتي؟!
- لم أعد ضمن حماك.
- لا أستطيع أن أفهمكِ.
- أراكِ بخير.
ـ أراكَ بخير.