Copyright ©2008, IEEMS.NET
IEEMS
الضوء و الإنكسار ............... محمد عطية محمود
عطية
(1)
ينطلق " السهم الذهبي " عائدا ، يمتطى صهوة طريقه الإسفلتي
الممتد ، يجتاز الحد الفاصل بين إغفاءة فلول أشعة الشمس الهاربة ، وأفول وشيك للشمس
خلف أفق غير معلوم مداه .
في زي عملها المتناغم ، تبدو بقوامها المتناسق ،
شعرها الذهبي المسترسل على كتفيها ، خلف وجهها المائل إلى الاستطالة .. تكسوه مسحة
طفيفة من المساحيق ، تزيّنه عينان عسليتان .. تعلوان أنفا دقيقا ، وفما مبتسما
.
من مقدمة العربة ، ترسل سهام عينيها .. توزعها صوب ساكني المقاعد البادين لها
. تدفع قدميها في الممر . تنبّه ـ رغم التحذيرات المعلنة ـ على عدم التدخين . تسرى
في البدن رهبة .. تتكرر ـ رغم تمرسها ـ مع بداية كل رحلة . تطوف بالبال أشياء عدة ،
تكاد تجرها بعيدا .. تدنيها من صورة فارسها ،تداعب خيالها المتشوق .
تستفيق ..
تتوقف .. تتخير من تبدأ معه الحوار . تفك متاريس الكلام بحوار دافئ .. يتواصل ..
يزيد من دفئه اندفاع صدرها بوجهها نحو
محدثها بعفوية .. يعضده عبق أنثوي متسلل
. تضيق المساحات بين الوجوه ، وتتسع . تسقط فواصل ، وتعلو أسوار تحكم حدود الحوار
.
في رقة ، تلح في عرض قائمة أصناف المشروبات والشطائر . في خفة تنتشل وجهها ..
تتنقل .. تتوغل بين الصفوف العرضية ، المقطوعة بالممر حتى تصل إلى المؤخرة الشاغرة
.
تعود ، مدوّنة ما طلب منها . ترمق في إطلالات مشعة سريعة وجوها لم يصل إليها
وهج لحظات اقترابها الخاطفة .
تتحسس عيناها جسدها على مهل . تغيب في باطن
العربة ، ثم تلوح صاعدة تحتضن (السرفيس)
(2)
يصير " السهم " ككتلة ضوء تخترق
الظلام الدامس ، تغازل أضواءاً متباعدة .. متناثرة .. متضائلة فيما حول الطريق .
تلقى بجسدها على مقعد إلى جوار القائد . تلتقط مسامعها همسا حالما بـ (فيلم)
يدور بتلفاز العربة . يطبق جفناها على صورة فارسها .. تكاد تسكرها لذة لحظات
التداني .
يباغتها دخان سيجارة .. يتسلل إلى أنفها ، ولا توليه انتباها . تهزها
يد القائد ؛ لتواجهها نظرته القامعة المستفسرة . تنتفض واقفة .
تسرع . تتسمر في
مكان انبعاث الزفرات . يغرز الرجل عينيه في عينيها مبتسما .. تشع نظرته المستغرقة
بخليط من إعجاب مطارد ، وتوسل . ترفع الشعر عن جبينها ، تعالج به أثر فرط النظرات
المفترسة . تحرك سباتها نحو المؤخرة الشاغرة ، تهمس بصوت خفيض :
إن كان لابد من
التدخين .. فليكن بالمؤخرة ، ولتحاذر .
وتعود .. تمسح الصفوف بعينيها الهاربتين
. تداعب يدها خصلات شعرها المنسدلة ، ترفعها . تشد قامتها مع صدرها المكتنز . تشعل
الإيماءات ، والنظرات المتناثرة حولها مكامنها المحتبسة .
يسدل الصمت ستائره ،
فتحتويها أريحية المقعد . يشف ذهنها المتوقد. تندلع في جوانحها الأسرار والحكايات
.. تتبدى .. تتكشف .. يفرد لها الخيال بساطه ؛ فتستسلم لغفوة .. ترتحل فيها ،
تعانقها أحلام عطشى. تتناثر بقع الضوء المتماهية . تتوه في محيطها المتسع . تلاحقها
أطياف . تدنيها آمال . تتقلب على فراش من خواء .. تلملم أجزاء الحلم . تتلاشى منها
. تأتيها . تعود للاندحار والتلاشي .
(3)
يلوح مدخل المدينة المبهر الأضواء .
يصير بريق " السهم " باهتا ، يذوب ضوءه في محيط الضوء الباهر
تبرز مرة أخرى من
أحشاء العربة ، في ملابسها الشخصية . يتدلى شعرها ملموما ، مربوطا خلف ظهرها . تكسو
وجهها نظرة محايدة . يعلوها كدر ككدر ما بعد الصحو .
تتوغل بين المقاعد . تقوم
بالتحصيل .. ثم تعود .. تلازم مقعدها الأمامي متيقظة ، بينما يلج
" السهم "
ميدان ربوضه .
محمد عطية محمود