Copyright ©2008, IEEMS.NET
IEEMS
فسحة قصيرة لقدميها .............. سوزان
خواتمى
توفيت أمها بعد معاناة مع مرض وراثي أقعدها الفراش . في الحدود
التي تسمح به ذاكرتها ، فإن أمها لم تقاوم المرض بل استسلمت له منذ إشارته البسيطة
الأولى ، تماماً كما استسلمت لكل مقدرات حياتها الأخرى ، وقد هزت برأسها موافقة كما
تفعل دائماً ، للاقتراح الذي نُقل به سريرها من غرفة نومها الخاصة ، ليبقى في صالة
الجلوس مواجهاً لجهاز التلفاز ، ملاصقاً للحائط عامين وثلاثة شهور ، ومازالت آثار
حافته الحديدية المخرشة للطلاء واضحة بكل دلائلها المحزنة .
لم يكن موت
أمها فاجعاً ، وربما كان لغيابها البطيء بعض الفوائد ، فقد أنهت سنوات دراستها
الثانوية ، فيما أكملت أختها " نازك " دورة التفصيل والتطريز ، وامتهنت الخياطة
.
تحتل الآن آلة حديدية بإبرة متعددة الاستخدامات ، ودواسة كهربائية سريعة ،
مكانها المواجه لجهاز التلفاز ، واللصيق بالحائط ، إضافة إلى ساتر خشبي وقضبان
معدنية متعامدة لتعليق الملابس ، ونسوة تتوافدن من الأماكن القريبة والبعيدة ،
تقرعن الباب ، وتطلبن " نازك خانم " ذات الأصابع الماهرة والابتسامة الساحرة
.
لم يكن موت والدتها أول الحوادث المؤسفة في حياتها ، فقد سبق لأبيها أن توفي
فجأة بحادث سير ، تاركاً لهم ميراثاً صغيراً نفد مع فواتير علاج والدتها
.
لكن منزلاً يأوي امرأتين حصيفتين واحدة في أول خط الشباب ، والثانية في
أواخره ، مع أخ صغير مسالم في العاشرة من عمره ، و يدار بقدرات اقتصادية مبدعة ودون
إسراف ، كان ينجو بما يحفظ ماء الوجه .
في بعض ليالي الشوق الباردة حين يبكي
أخوها نبيل لأنه لا يتذكر أباه ، كانت هي تضمه إلى صدرها بحنان ، وتصفه له : طويلاً
ومهيباً ، له أنف روماني دقيق ، وشاربان رفيعان ، يضع نظارات طبية بحواف فضية تزيده
هيبة .
في درج المقتنيات والأوراق القديمة ، المقفل بمفتاح حديدي ، نظارات
سميكة بإطار أسود ، وألبوم صور قديم تؤكد محتوياته أن (أبو نبيل ) رحمه الله كان
مربوع القامة ، مكتنز اللحم ، كثير الشحم ، تتركز بدانته حول معدته ، مما يجعله لا
يستغني عن حمالات جلدية تحمل بنطاله ، في خده أثر قديم لجرح غائر .
تعتقد
نهى أنه كان على والديها تجاوز أقدارهما ، لمشاركتها هذا اليوم الاستثنائي ، حيث
إنها تتهيأ لتظهر بأبهى صورها استعداداً لاستلام كشف علاماتها وشهادة تخرجها بمعدل
امتياز .
ترتدي نهى ثوبها الجديد ، ضيق في منطقة الصدر والذراعين ، واسع عند
الأرداف والساقين ، تماماً كما تحب ، تدور به أمام المرآة دورتين ، ثم تقفز في
الهواء فرحة ، فقد اكتشفت للتو انعكاساً يرضيها : إن لها وجهاً طافحاً بحب الحياة ،
وخدوداً مرتفعة كأمانيها ، وشعراً أحمر مجعداً يميزها عن بعد ، كما أنها طويلة
القامة دون إفراط .
لم يكن ارتداء هذا الثوب ممكناً بسهولة ، لولا أنها
توسلت طوال ليلتين إلى أختها متعللة بألف سبب مقنع ، وألف آخر غير مقنع إلى أن
أضافت بانفعال :
" هل يعقل أن أدخل الكلية بعد أن تخرجت منها بثوب الطالبة
القديم ، لن يكون فأل خير ، أليس كذلك يا أمي الصغيرة ؟ "
أصاب سهمها
العاطفي الطائش غايته – أمي الصغيرة – عبارة لا يقاومها قلب نازك الضعيف ، تركت كل
ما كان بين يديها من أمتار الأقمشة وأشبار القصاصات ، وسهرت حتى الساعات الأولى من
الفجر ، محنية فوق ماكينة الخياطة ، برأس مثقل بالصداع ، وعينين زائغتين ، وألم يخز
عمودها الفقري ، لكنها في النهاية ، ومع أذان الفجر الأول ، ألقت فوق ظهر الكرسي
ثوب نهى الجديد ، واندفعت نحو فراشها منهكة .
تغادر نهى منزلها ، وقد عبرتها
نشوة ذهنية بانتصاراتها المحققة ، كانت تفكر بالوعود السخية التي عرضت عليها من أجل
العمل فور تخرجها ، ليست ساذجة كي تصدق المبالغات الكلامية في العهود بعيدة المدى ،
لكنها ستعاود اتصالاتها بكل المعارف والأقرباء لتختار الأفضل ، وتريح نازك .
بنضارة الفل الأبيض ، كانت تمر أمام المكتبة ، قاطعتها غمزة صاحبها من وراء
الواجهة الزجاجية ، منحته ابتسامة لؤلؤية تعرف وقعها ، لوحت له بيدها إشارة إلى
أنها تأخرت عن موعدها ، ثم تابعت خطوتها المتزايدة السرعة ، فبرغم مشاعرها
المتناقضة ، إلا أنها تقدر تماماً جهد هذا الرجل الذي ترجم لها ثلاثة بحوث ، وأمدها
بكل المراجع الدراسية أثناء فترة تعليمها .
يلح عليها بالزواج وتماطله
.
كانت بارعة طوال سنوات أربع في المحافظة على خيط التعلق بينهما من غير أن
ينقطع ، لقد أحبته بطريقة ما ، فإضافة إلى ثرائه كان يملك مكتبة تحتاجها ، وأشواقاً
حارة تشتهيها .
متزوج وعنده أربعة أطفال ، تلك قضية عابرة ، مشكلته في رائحة
عرقه ، ودمامة غير محتملة تبدو جلية في فكه المتقدم كثيراً نحو الأمام ، لكنها كانت
تتلاشى حالما تغمض عينيها لتسمح له بتقبيلها خلف رفوف الكتب .
يزدحم الشارع
الرئيسي بأعداد بشرية هائلة ، تزيد على الموارد الاقتصادية لهذه المدينة المكتظة ،
إنهم يتناسلون دون توقف ، و يتدفقون من القرى البعيدة والمناطق النائية . يقلقها كل
هذا الازدحام ، لكنها عادة ما تجد مكانها . دافعت بمنكبيها وكفيها حتى صعدت الحافلة
المزدحمة ، بشق النفس وجدت لقدميها فسحة صغيرة ، وقفت منتصبة ، متشبثة بعمود يحافظ
بالكاد على توازنها ، من غير أن يمنع صدرها عن ملامسة الرجل الذي أمامها إثر كل
وقوف وانطلاق . ضاقت بالظهر الذكوري الذي لا يتزحزح مبتعداً ، تمنت لو أنها عاشت
قبل هذا العصر ، حين كان الرجال يمنحون النساء أماكنهم ويتنحون جانباً
.
الطفلة الصغيرة التي بجانبها أجهشت بالبكاء ، فحولت مجال نظرها عنها
لتراقب المباني الراكضة . كانت قد أقلعت عن هذه العادة الكئيبة ، بعد أن ذرفت آخر
دموعها فوق تراب قبر أمها الرطب ، فالبكاء لم يمنحها إلا وجع القلب ونهنهة الصدر
.
توقفت الحافلة في ساحة الجامعة حيث تقصد ، برشاقة غزال أبيض قفزت إلى
الشارع ، سوت أطراف ثوبها الجديد ، وسرعان ما طرق كعب حذائها حجارة الرصيف ،
ترافقها فراشة ملونة .
خمسون درجة تصعدها للمرة الأخيرة باتجاه كلية الاقتصاد .
كانت تمر بالأماكن الأكثر وحشة ، قاعات دراسية فارغة ، مخابر مقفلة ، و
ممرات خاوية . لا يطرق المكان في هذا الوقت من العام سوى الموظفين ، وأشخاص قلة
جاؤوا مثلها لبعض شأنهم .
دون توقع وجدت نفسها أمام رياض ، بشعره الملبد ،
ولحيتة النابتة ، وصندل صيفي يكشف أصابع قدميه .
خلال سنوات الدراسة ، الأخيرة
منها على وجه التحديد ، اعتادت أن تشارك زميلها رياض قهوته الصباحية ، كان يبادلها
معلوماته العلمية الغزيرة ، فيما تتجاوز هي عن منظره المشعث ، لتمنحه ابتسامة بازغة
بألف معنى ، وفرصة لا تعوض للتباهي بها .
برغم أنه شاب فقير ، بل ربما لأنه
كذلك ، كان يملك ذاكرة متوهجة ، وقلباً حالماً يراودها عن نفسه .
عقدا فيما
بينهما اتفاقاً بدا لكليهما عادلاً ونبيلاً بما يكفي : عليه أن يُدّعم الإجابات
التي تشك بها أثناء الامتحان ، لتفعل هي الشيء نفسه إذا لزم الأمر .
التزمتْْ بالشق الأول من الاتفاق ، ومع نهاية الامتحانات ما عاد يخطر
ببالها . مسمار آخر تدقه في الجدار تتمسك به ثم تنساه .
تكلفت الابتسام .
تبادلا تحية باردة ، وسؤالاً عابراً عن الأحوال ، وبعد دقائق كانا معاً يتجهان إلى
مكتب العميد ، فهو أيضاً سيستلم شهادة تخرجه متفوقاً مثلها .
قابلتهما الموظفة
بابتسامة واسعة مجاملة . قالت لهما :
- اسميكما في قائمة الطلبة المرشحين
للبعثات الدراسية .
لم تصدق أذنيها : الدكتوراه !
كادت تعانقه ، و لولا
خشيتها من إفساد لون طلاء شفتيها لقبلته ، أما هو فقد ابتسم ببرود ، متحنطاً بوقار
مزيف ، وكأنه يعلم مسبقاً بالخبر .
يا للرجال ! لماذا لا يطلقون العنان
لانفعالاتهم .
كانت تطير فوق الدرجات الخمسين نزولاً، وهي تستحدث في ذهنها
المشوش خططها الجديدة ، فالأمور لا تسير دائماً كما المفترض، والحياة واقع حافل
بالمتغيرات .