Copyright ©2008, IEEMS.NET
IEEMS
الرجل النحيل الخفيف، يلبس صديريا أزرق فوق الجسد العاري،
والسروال المتسخ يصل حتى الركبتين والهواء بارد، مد شاربه المتهدل وشق طريقة حيث
عيدان التيل، العيدان رشيقة، الريح تمرق من خلالها صافرة.
رمشت عيناه فضرب
الحشرة الصغيرة بيده اليسرى المرسوم فوقها وشم لأسد بيده سيف محني فوق الرأس.
انحدرت الشمس لتغيب وأصبحت مثل عيدان التيل مشمشية اللون. والسحب الثقيلة لما تزل
تزحف نحو الشمس.
في الجوزة كانت الجمرة صغيرة وشديدة الاحمرار. أخذ نفسا طويلا
وأفرغ الدخان في وجه الجالسين.
تساءل:
- الجاموسة النهارده تجيب كأم؟
الخطوات مثقلة بالحزن فوق رطوبة الأرض السوداء. حاول الإسراع وتخبطت كتفاه
بعيدان التيل. واهتزت البذور الناشفة في الأعالي.
- التيل ده سور للقطن.
ولكن الرجل لا يملك أرضا لزراعة القطن، الحوض الصغير لا يسع غير الفجل،
والتيل.. والطماطم.
في السوق جلست بنت البنوت.. كانت الشمس تلمع في وجهها،
وعيناها المكحلتان تحدقان في الشمس، ثمرات الطماطم الحمراء تلمع.. وقال الرجل
النحيل.. أنها ستكون زوجته وأم أولاده.
- طول ما هو داير بالحصان في قلب العزبة
ما حدش زارع ولا خالع غيره.
لم تنم المرأة.. أقسمت بالمصحف الشريف أن الله
بيفرجها وكانت خائفة أن ينفذ ما في رأسه ويبيع الجاموسة، نادته.
- أبو محمد..
كانت لا تريد فزع الأولاد. ضغطت عليه بصدرها الطري.
- أنت يا راجل.
غمر
وجه البنت فاطمة عرق بارد.. صرخت البنت دقيقة العظام:
- حاموت.. حاموت.
ركز
الرجل على ركبته.. قال مفزوعا:
- حطى صباعك في بقك.
ولت الحمامة البيضاء
بجناحها، فتطاير خفيف الريش، وحطت فوق الفرن.
في الأرض رطوبة الدنيا، والشمس
تنسحب مخلفة وراءها الظلمة والبرد.. لم الصديري إلى جسده جيدا وانحرف يمين حوض
التيل..
تمرغت فاطمة فوق الحصيرة الصفراء المتأكلة تغرز يديها في بطنها وتصرخ..
تتألم تتلوى كقطة تموت.
والأم قالت:
- يا رب.. يا رب:
قال للحاج عمر:
- نازل السوق يوم الثلاث أبيع الجاموسة.
ابتسم الحاج عمر، رد عليه.
-
يا شيخ ارمي.. تكسب لك قرشين أجدع.
والحاج عمر سيكتب قرشين أيضاً. ناوله
الجوزة، وأخذ الحاج يضحك بصوت عال، بانت أسنانه الصفراء المكسورة. وكان الصديري "
الألاجا" يبرق في الضوء الشحيح.
حين غاص في الترعة ومد ذراعه في قلب الطين لم
يجد عيدان التيل.. ساخت روحه.. وأحس بالدوار .. ضاع كل المحصول.
- أولاد
الحرام.
لطمت الأم. وكان البكاء مراً، شدت الطرحة السوداء على رأسها بعقدة
قوية، ونام محمد منكمشا تحت اللحاف ونامت فاطمة على حجر الأم.
انفتح باب
الزريبة بصعوبة لأنه يجف بالأرض. فضربت الجاموسة الطوالة برأسها، فاحت رائحة الروث.
نامت القطة في دفء الكانون. والبنت الصغيرة همدت، وقشر الليمون فوق الحصيرة ما
يزال.
قال خالها بعد أن شرب الشاي ونفض جلبابه الصوف.
- نزلة برد، سخني لها
شوية كمون.
أعطى الخال لأمها خمسة قروش ورقية جديدة.. قال بعد أن تخطى عتبة
البيت:
- أبقى تقلى هدومك.
كان شاربه الكث مخيفا تحت أنفه الغليظ، وأدارت
البنت وجهها.
اقترب الكلب مقطوع الذيل من الرجل، عيدان التيل الجافة عالية وقد
آن خلعها لتخزين البذور.
نصف حوض التيل كان في قلب المصرف حتى يعطن. وكان القمر
يلمع كاذبا في الليل.
تشمم الكلب الأرض ولف حول العشة المصنوعة من عيدان
الذرة.. زر محمد عينيه ثم ابتسم.. هز الكلب أذنيه والتمعت عيناه في عيني الصغيرة
فاطمة.
نامت على ظهرها، جسدها النحيف يغوص في كومة القش، ربنا في السماء
الواسعة. والجنة أيضا. عين الله حارسة، والله يحب الغلابة، ذات ليلة صيفية، كانت
تنام على ظهرها أيضاً. فوق فخذ أبيها. كانت النجوم تبرق لامعة كالخرز، قالت البنت
الصغيرة.
- آبا.. السماء مليانة "حم النيل" زي اللي في جسمي.
محمد يلعب في
كومة الدريس وفاطمة تحدق في " الخمسة وخميسة" على صدر الصغير.
قرن فلفل أخضر،
وقرن فلفل أحمر، كف بيضاء، وسمكة زرقاء. كلها من البلاستيك وبدبوس مشبوك في صدر
الصغير محمد.
ظل الرجل يسعل، واحمرت عيناه، سحب جاره الجوزة من يده وقام يسكب
الماء الأصفر، كان الأسد على ظهر يده بأقدام عديدة والسيف لم يكن حاداً.
صهلت
المهرة في الخارج.. انقبضت الوجوه.. قفز الحاج عمر، تحسس جيب البالطو مسرعا فوجد
قطعة الحشيش.زكي أفندي يمتطي المهرة، وحذاؤه لامع.. مد يده للحاج عمر وابتسم. عاد
الحاج مسرعاً.. قال الرجل النحيل:
- بدل ما تنزل السوق زكي أفندي عايز
الجاموسة.
صوت حوافر المهرة يقطع صمت الليل.. لا يسمع نقيق الضفادع، عاد
المعلم.. شب على أصابعه، أدار مفتاح المذياع وكانت الست تغني " هل رأى الحب سكارى
مثلنا".
حين يموت الأطفال يدخلون الجنة، ولا يحاسبون، ولا يدخلون النار. هم
ملاك الرحمة.
فرحت الصغيرة.. نظف الرجل ما بين أسنانه بعود كبريت صغير.. بصق
الدم النازف، قال:
- لا زم نبيع الجاموسة.
الحمامة تطير من الشراعة نفسها
الجريدي المعلق بالحائط خبطت المرأة على صدرها.
سرق أولاد الزنا عيدان التيل
ذهبت كل الحبال بكل الأمنيات.
أيام التيل تكون الحارة على امتدادها مصنعا صغيرا
لصنع الحبال.. الشمس في الحارة الضيقة بهجة، والشاي متعة حقيقة، تضع النسوة التيل
حول أعناقهن عقودا من التيل الرمادي الجميل ورائحته العطنة هي ما يحلمون به، أيادي
الرجال المعروفة تجدل الحبال بلا توقف، والعيال يلعبون بعيدان التيل لعبة "الحمار
والغيظ" عبث بيده في التبن بالوالة، التبن الناعم، لون الذهب الخالص، هوشت الجاموسة
برأسها وكاد قرنها المدبب يخرق عينه.
تمنى لو غطس في "البحر الكبير" وشدته جنيه
وكتمت أنفاسه، لبس البلغة في قدميه.. ذهب إلى الزاوية، صلى العشاء واستغفر الله
العظيم، ولمست شفتاه ظهر يد الشيخ، وربت الشيخ الهادئ على رأسه المتسخة، واشترى
الليمون وهو عائد إلى الدار.
الوحشة تغمر الغيظ، لم تعد تحلق غربان ولا حدآت
ومات أبو قردان. ملعون هذا "التوكسفين".
انفض موسم الأرز، وموسم القطن، وأصبح
النفر برخص التراب، لا أحد يحتاج إليه، والمرأة تسوخ في الغيطان تجمع الحشائش
الخضراء، وبعضا من عيدان الملوخية.
تحويشة العمر اشترى بها عجلة وفرح العيال..
في هذه الليلة نامت في أحضانه امرأته وأحبته أكثر من يوم أن تزوجها.. العجلة
الصغيرة شديدة السمرة، لها رموش جميلة، ولها حوافر دقيقة، وكانت تتقافز كالجدي، ثم
كبرت وصارت جاموسة يحسدها العدو.
ضربت على صدرها :
- يا خرابي نبيع
الجاموسة.
لطمت وأخذت تبكى، وكانت تتمخط بين لحظة وأخرى.
- لو بعتها حاروح
دار ابويا.
كانت تكذب عليه.. وكان يعرف.. الأب مات من سنوات حين كانت فاطمة
ابنة شهرين رضاعة، والدار في العزبة البعيدة،- تركب لها عربة كارو- والدار ضيقة
بالأخوات المتزوجين.. ولا تحتمل دجاجة زائدة.
ملكها من شعرها الخشن.. لوى
رقبتها.. لطمها.
اتسعت عيون العيال رعبا.. لكمها في جنبها، في بطنها، لو هي
حامل لماتت في يده.
أخذ يسبها بين لكمة وأخرى.
- يا بنت الكلب.
صرخت
تستغيث بالجيران، كان الطفلان يصرخان.
- والنبي يابا..والنبي.
جرى على
الباب كالمذعور، أنزل المزلاج مسرعا.. تخطى الفأس المرمية، هوت يده على صدغ
المرأة..هوت مرات عديدة، الوشم الأخضر رعب شديدة، وكانت للأسد عيون واسعة.
سال
الدم ساخنا على وجه الأم لعقته بلسانها.
- حاروح عند دار أبويا.. وحياة المصطفى
لازم رايحة,
كان يلهث.. والجيران يدقون الباب بعنف.. سمع صوتا من الخارج.
-
يا راجل وحد الله.
جرت فاطمة فتحت الباب حطت الطمأنينة في قلب البني والجيران
شدوا الأب.
صرخت الأم :
- طلقني …
وقال وهو لهث، حاضر، ح خليكي تشحتي ع
الدور، حاضر.
قال جارهم :
- خليك عاقل يا بو محمد، مين يربي العيال.
الليل بلا نهاية، وبكاء دائم، قالت البنت الصغيرة:
- حقك على يامه.
بكت
بحرقة، أبوها مات، وأمها ماتت.
النسوة سواد كئيب، قال أخوها.
- أنت في
رقبتي
الترعة شريط مهمل على جانب العزبة، شجرات الصفصاف تحتضن الترعة العفنة،
وكان الخص بجانب الصفصاف وقطعة الحشيش في حجم الحمصة كنز في يد الرجل النحيل.
لافت الحمامة البيضاء على ذكرها.. اقتربت منه.. بيضتان دافئتان يرقد فوقهما
الذكر.
الأم لفت أبتها في حضنها من البرد.
مرق من بين العيدان، هي غلبانه
أيضا.
قال الحاج عمر.
- حربي الجاموسة.. وبعدين.. بصق الرجل
ثم تصبح
الجاموسة "عشر" ويكون لها جنين، ثم عجل صغير.. ولبن.. وجبنة.. وفي العام القادم
يكون التيل. وتكون الحبال. لم الفلاحون محصول التيل.. كانت الناقة العالية جبلا من
التيل يقتحم الحارات، كل صاحب نصيب كان يبيت على ناقة الحاج عمر.
- وانت حاتدور
تشحت ع الغيطان.
- يلعن خدمة الغيطان واللي يعشقها.
انكسرت البصلة الحمراء
الكبيرة تحت- قبضة الرجل، قهقه الصغار- لم تبتسم ألام. مال الرجل إلى جذع شجرة
الكافور.. كان الطفل حنونا. وراح يلف سيجارة على مهل.
حين خلف حوض التيل وراءه.
كانت الشمس قد غابت وراء الأفق وضوؤها الأصفر يتناثر في قلب السحب.
هللت البنت
فرحة وبانت أسنانها الدقيقة.
- آبا.. آبا
قال:
- خليكي دفيانة.
ما
تزال البنت ملفوفة بالحمل القديم.
الظلمة تكسو دور العزبة.. ولا تبين غير أشباح
الكلاب، وأصوات الخفراء، الهواء البارد يكمن بالداخل، وهي جالسة ملفوفة في الهدوم
القديمة، أنفها متورم كالدمل.
خطوات الأقدام الحافية تعرف طريق الحارات، محمد
يدق قدميه على صدر أبيه.. ويتشبث في شعره الأكرت.. ويد البنت فاطمة في حضن الكف
الناشفة، الدافئة.
حين انفتح الباب. نزل محمد من فوق كتف الأب.. لم تقم الأم..
قفزت الحمامة من فوق الأرض إلى البنية الجديدة.
سألته الزوجة في تردد وهمهمة:
- حاتروح السوق بكره؟
تمدد بجوارها، أحست أن الصديري الأزرق بارد، ضمته
إليها.. بدأت الأنفاس تصنع دفئا يجري في كل العروق.
مرقت المهرة في الحواري ترج
الهدوء، وتثير الغبار، ووقع الحوافر يصنع صوتا مضطربا مقلقا.
حين تلاحم الجسدان
عبر الدفء الولد والبنت.. والتبن في لون الذهب، وعيدان التيل الجافة في لون الأرض
والسماء. غير النجمات القليلة المتألقة.
عيدان التيل الجافة ......... قصة / جار النبى
الحلو