Copyright ©2008, IEEMS.NET

by : rapee3.com
IEEMS
ألقى بجسده في الطريق بعد أن ودع المكان ، هو لا يملك ثمن أجرة السيارة ، يمشى في محاذاة الرصيف ، السيارات المارة تسبب له شيء من الضيق يمر دون أن يتوقف ، يلقى وراء ظهره المدن والقرى الأخرى إلا أنه أحس بالتعب فاستراح قليلا ، أسلم جسده لنوم عميق .
حتما سيحتاج إلى الدفء ، السماء كقطع دخان مبعثرة ، استيقظ من نومه على لسعة برد شديدة ، ينظر من مكانه إلى البعيد في مساحات الفراغ ، عاود المشي مرة أخرى إلا أن الحارة تنطبع ملامحها على بصره في مهل ، البيوت والشوارع وصوت أذان الشيخ مصطفى ، كل هذه الأشياء تدخله كما كان يعرفها ، لكن شيء ما يطرده خارج الجسد فيبكى .
ـ ليه بتكرهنى الناس ؟
تحسس وجهه القبيح جداً لجسد ثمين قصير مدبب بشفتين متضخمتين بورم خبيث وعينين بارزة باحمرار شديد ، تأمل المكان والمساحات الفارغة الفسيحة .
ـ ما هو ربنا هو اللي خلقني كده
يمضى في طريقه بمحاذاة الرصيف ، هنا توقفت بجواره سيارة ، ألقى صاحبها بلفافة كبيرة وأسرع في الاتجاه نفسه ، هَمَّ "بكرى" والتقط اللفافة ووضعها في جواله الذي يحمل فيه ملابسه المهلهلة ، يمضى مسافة ليلة في الطريق ، اقترب من مدينة بليبس بينما هو في طريقه اقترب منه رجل .
ـ مالك تعبان كده ؟
تأمله بكرى فاسقط جواله من فوق ظهره وأشاح
ـ سيبني في حالي أنا ليَّه يوم بليلة ماشي على رجلي
ـ وإيه اللي يجبرك على كده ماركبتش عربية ليه
ـ معاييش أجرة العربية
ـ طيب أنت رايح فين
ـ رايح عند ناس قرايبي في حتة اسمها فاقوس
ـ ياه دي بعيدة قوي حتمشي كل ده
ـ أعمل إيه يعني
ـ طيب تعالى معايا البيت تاكل لقمة وتستريح شوية
، استسلم "بكري" للفكرة ومضى معه في طريقهم إلى فيلا تقع في مدخل المدينة تحوطها مساحة فارغة وحديقة فسيحة ، أزاح الرجل بوابة المدخل الحديد التي تكشف عن ممر رخامي طويل تغطيه الأشجار المتسلقة في شكل نصف دائرة حتى يصل إلى مدرج ذا سلالم ، هنا أطلق الرجل جرس الباب فسمع بكري صوت يملأ المكان
ـ مين على الباب ؟
تلفت حوله باحثاً عن مصدر الصوت وأحس بالفزع ، تقدم الرجل في اتجاه شئ معلق بجوار الباب
ـ أنا يا باشا
انفرج الباب وأزاحه الرجل
ـ اتفضل يا أخ بكري
ـ أتفضل فين .. رجلي متعاصة طين !!
ـ ميهمكش حاجة
لم يفهم بكري ما يجري من حوله لكنه استسلم تماماً لقَدَرهِ وهمس
ـ إيه حياخد الريح م البلاط
تقدم بكري ، أحس بنعومة السجادة تحت قدميه فجلس ووضع جواله أمامه يتأمل الصالة الفسيحة ففي الجزء الأخير منها ترابيزة سفرة كبيرة وأنتريه بلون وردي ضخم كبير يتوسطهم مكتبة تحمل جهاز تليفزيون ضخم وجهاز استريو وفيديو وأشرطة تملئ باقي الفراغ ، بينما هو غارق في التأمل اقترب منه الرجل وهزه من كتفه فأفاقه
ـ ثواني والغيطاني بيه حيجيلك
ثم استاذنه في الرحيل لتحضير الغداء له فابتسم بكري لكنه عاد يحس بشيء من الخوف ، سرعان ما عاد للتأمل ، نظر إلى النجفة الكبيرة ، تحسس السجادة بأصابعه ، ثم لمح على البعد شخص يهبط السلم الداخلي للدور العلوي ، وجيه الشكل ، يرتدي روب من الحرير ،أسرع بكري بالوقوف له ، اقترب منه ثم جلس فوق أحد الكراسي وصاح :
ـ يا فوزي
ثم أشار لبكري بالجلوس قائلاً :
ـ إجلس
أسرع فوزي من الداخل
ـ نعم يا سعادة البيه
ـ حضَّرت الأكل
ـ أيوه يا بيه حاضر
ـ الأول خد بكري خليه يستحمى واديله جلابية من عندك لغاية ما انزل أشتريله هدوم .
أحس بكري أنه في حلم ولم يصدق ما يجري لكنه ترك نفسه للحلم وصاح
ـ صحيح الدنيا لسه فيها خير
توقف بكري أمام البيه يتأمله
ـ فيه حاجة يا بكري
أنت مش قرفان من شكلي يا بيه
ـ وحاقرف من شكلك ليه ، لولا شكلك ده كنت أنا زماني في السجن وكل الجرائد ناشره صورتي ، أمسك فوزي يد بكري قائلاً :
ـ تعالى .. دا أنت أمك دعيالك
ـ أنا مش فاهم حاجة
دخل بكري مع فوزي إلى الحمام بينما الغيطاني بيه أخذ الجوال وأخرج اللفافة وابتسم ابتسامة هزت جدران الفيلا ، اقترب منه فوزي منشرح الصدر .
ـ إيه يا بيه ، كل شئ سليم ؟؟
ـ أيوه .. تخيل ده كان شايل بدرة بتلاتة مليون دولار ولو بعناها حتجيب تلاتين مليون جنيه ،
نظر لفوزي وهو في قمة السعادة .. تخيل ، لما هاجمني البوليس وفتش العربية حتة حتة وملقاش حاجة ما شكش خالص في بكري فضل ماشي وسط البوليس وهو شايل معاه البدرة .
ـ وهو دا حد يشك فيه ؟
ـ علشان كده أنا عايزه هو اللي يوزعها على التجار
ـ والله فكرة يا بيه
خرج بكري من الحمام بوجه آخر وكأنه قد غسل هموم العالم من فوق جسده ، نظر إلى جواله الذي أمام البيه
ـ ليه كدا يا بيه ، أنت خايف مني دا مافيهوش غير شوية هلاهيل
ـ لا يا بكري مش خايف منك ولا حاجة ، بس دا معادش يناسبك دلوقت ، عموماً خليه لو تحب ، مش هيخسر .
أمسك الغيطاني بيه بالجوال وأعطاه إلى فوزي
ـ حط ده تحت بير السلم
أحس بكري بغضب شديد من تصرف البيه
ـ دي هدومي يا بيه
ـ متخافش يا بكري أنا حجيبلك هدوم غيرها جديدة
ـ إذا كان كده خلاص إرميه يا فوزي
ـ لأ مترميهوش .. هنعوزه ، حطه تحت السلم
وبينما فوزي يجر الجوال إلى الخارج ينظر
ـ هأجهِّز الغدى لبكري يا بيه
ـ طيب اتغدوا انتوا وأنا حاريَّح ساعة وانزلكوا
ـ ماشي يا باشا
بدا فوزي في تحضير أصناف الطعام وبكري يتأمل الألوان العديدة من اللحوم فلم يصدق نفسه
ـ ليه اللحمة دي كلها يا سي فوزي
ـ كل يا بكري لغاية متحس بالشبع
جلس فوزي يتأمل جوعه ونهمه على الطعام وخاصة اللحوم .
ـ قوللي يا بكري .. أنت سيبت بلدك ليه
توقف بكري عن الطعام واسند ظهره إلى الكرسي
ـ بيكرهوني عشان شكلي
ـ متقولش كده يا راجل
أنت مش مصدق .. طيب لو أنا دخلت أي بيت في الحارة تلاقي العيال بيصرخوا
ـ ولا يهمك يا بكري بُكره الغيطاني بيه يعملك عملية تجميل يغير بها شكلك خالص وحترجع طبيعي
أحس بكري بسعادة جعلته ينسى الطعام ويقفز من فوق الكرسي ليقف بجوار فوزي .
ـ الكلام اللي بتقوله دا صحيح
ـ أيوه الكلام ده صحيح
ـ وهيعمل معايا كده ليه
ـ البيه حبك .. مش باقولك أمك دعيالك
ـ أنا مش مصدق أن الكلام ده ممكن يحصل
ـ لأ صدق .. هو قال لي إن بكري هيشتغل معايا
ـ صحيح قالك كده ؟
ـ ايوه بس البيه لو قالك تعمل حاجة تعملها من غير ما تسأل
ـ واسأل ليه ده لو قاللي أرمي نفسك في النار أرميها
ـ صح .. أهو كده يبقى هتعمل العملية وحيديلك الفلوس اللي أنت عايزها .
ـ يا سلام يا اولاد .. باين ليلة القدر اتفتحتلي
ـ كل يا بكري
ـ خلاص أنا حاسس إني شبعان وفرحان
بدأ فوزي في انتشال الطعام من أمامه بينما هو جلس يحلم بتغير وجهه القبيح ، ظل في أحلامه حتى أغمض عينيه عن واقعه المرير ، وراح في سُبات عميق ، جاءه الغيطاني بيه يهزه بعنف
ـ أتغديت يا بكري
هم بكري واقفاً فزعاً
ـ ربنا يوسع عليك يا بيه .. اتغديت والحمد لله
صوت الغيطاني يملأ الفراغ
ـ أعمل شاي لبكري يا فوزي
أطل فوزي من خلف ستارة بمؤخرة الصالة
ـ الشاي جاهز يابيه
تأمل الغيطاني وجه بكري الذي لازال نائماً يحلم
ـ أنا هاشغلك معايا يا بكري .. إيه رأيك ؟
ـ رأيي إيه يا بيه .. هو أنا لاقي حاجة دانا عمري ما دقت اللحمة إلا عندك دلوقت.
ـ بس أنا مبحبش حد يسألني عن حاجة .. تعمل اللي أقولك عليه وبس
ـ أنا يا بيه من إيدك دي لإيدك دي
ـ طيب روح البس هدومك القديمة وهات الشوال
ـ ليه يا بيه كده ؟
ـ أنا قلت إيه دلوقت
ـ خلاص يا بيه .. ألبس
ذهب بكري وعاد كما كان بملابسه المهلهلة القديمة ، يمسك جواله في يده .
ـ آديني لبست يا بيه
ـ عظيم .. هتحط في الشوال اللفة دي وهتروح تقف على الطريق وحييجي واحد يقولك :
الشوال ده فيه رغيف عيش .. هتقوله فيه حياخد منك اللفة ويديك لفة تخدها وتحطها في الشوال وتجيبها وتيجي على الفيلا .. تعرف تعمل كده .. وتعرف تيجي على الفيلا لوحدك ؟
ـ أعرف يا بيه م أنا حفظت الطريق
ـ طيب بعد متشرب الشاي روح واعمل اللي قولتلك عليه وأنا حشوف النتيجة
دخل فوزي يحمل الشاي
ـ الشاي يا باشا .. الشاي يا بكري
مال الغيطاني على فوزي قائلاً :
ـ روح وراه بس راقبه من بعيد
ـ ماشي يا باشا .. باشا إيه ؟ .. يا ملك يلي مبتضيعش وقت
بعد أن انفض بكري من شرب الشاي رحل يحمل جواله على ظهره .. حافي القدمين كما كان .. أوشك النهار أن ينجلي والشمس على وشك المغيب ، هذه المرة يعلم تماماً أين سيذهب ولمن سيعود وكله أمل أن يتحقق حلمه بأن يتبدل وجهه القبيح بوجه آخر جميل ، توقف في الطريق الذي حدده له البيه وأسند ظهره على شجرة "عَبل" ، لم يمر سوى بضع دقائق حتى توقفت سيارة وهبط منها شخص .. اقترب منه
ـ الشوال ده فيه رغيف عيش
ـ فيه
أخذ منه الجوال وأخرج اللفافة وأعطاه لفافة أخرى حملها ورحل عائداً إلى فيلا الغيطاني بيه ولكن لم يراوده شئ سوى أن يرضى عنه البيه حتى يفوز بالعملية ، دق جرس الباب ، أزاحه بيده حتى وصل إلى البيه
ـ تمام يا بكري .. نجحت
ـ صحيح هتعمللي العملية يا بيه وهبقى طبيعي زي كل الناس
ـ صحيح يا بكري وحديلك الفلوس اللي أنت عايزها كمان
لم تمر ثوان حتى دخل فوزي وهو مبتسم
ـ كل شئ تمام التمام يا باشا
قام بكري هذه المرة دون استئذان ، ارتدى ملابسه ووضع هلاهيله القديمة في الجوال وتركه في بير السلم كما كان لكنه همس في نفسه
ـ يولع العالم كله ما دام بيأكلني وهيكسيني وحيعمللي العملية وهوده المهم
صعد الغيطاني إلى غرفته حاملاً اللفافة التي وضعها بكري بين يده وهو يصيح
ـ عشي بكري يا فوزي .. شوف نفسه في إيه وجبهوله
اقترب فوزي منه
ـ نفسك في إيه يا بكري
ـ يا سي فوزي هات أي لقمة وخلاص دا أنا ياما بيِّت من غير عشا .
وضع فوزي أمام بكري أصناف أخرى من اللحوم لكنه أكل هذه المرة حتى امتلأ بطنه الغريب ، طلب من فوزي أن يدخن جوزة ، بدت على وجه فوزي ابتسامة عريضة جداً
ـ أنت بتشرب جوزة يا بكري
ـ أيوه ولو فيه حتة حشيش مفيش مانع
غرق فوزي في الضحك حتى أنه سقط على الكرسي .
ـ طيب تعالى معايا نقعد في الجنينة
سار بكري بصحبة فوزي إلى غرفة تتوسط الحديقة .
ـ عندك كل حاجة أنت عايزها
أحضر بكري المنقد وأشعل الفحم ، كان الظلام يشع من كل مكان في سماء البلد لكن بكري يصيح
ـ حاعمل العملية صحيح يا فوزي ولا لما ينتهي توزيع البضاعة حتخلوا بيَّه
ـ أنت بتقول إيه يا بكري .. إنت كنت عارف شايل إيه .
ـ أيوه يا فوزي كنت عارف هاكون شايل إيه يعني مُخدرات طبعاً
ـ ومخوفتش
ـ وأخاف ليه ومن إيه .. أنا كده كده ميت .. ومليش حد أخاف عليه ولا يخاف عليه
ـ تعجبني يا بكري .. شايل روحك على إيدك وعامل فيها عبيط .. الشغل ده محتاج اللي زيك
ـ يعني البيه هيملي العملية
ـ طبعاً وحقك من العمليات محفوظ .. شد وعمَّر دماغك دا حشيش أصلي .
لأول مرة يبتسم فيها وجه بكري وينس وجهه القبيح تماماً ، يبعثر دخان الجوزة في محيط الغرفة المعبأ بالحشيش ويضرخ .
ـ آه يا بلد !!!
…………………………

روح تبحث عن ظلها فى الطريق ............... قصة : فاروق الحبالى