Copyright ©2008, IEEMS.NET

by : rapee3.com
IEEMS
  إمرأة فالتة .............. رجاء بكرية
دعيهِ يكثر من لحظات الفقد حتّى يعثر عليه البرد
.. نثر الحمام حبَّه على عنقها، قال لا تبتعدي عن محابر الضوء، فمعابره، يا سيّدتي، مشغولة بغار يغار منك عليه. لقد عاد ذلك الرجل يسأل. دائما يسأل عن امرأة تغزل لون الفضاء شرفات على كتف القمر. هكذا أضاف، حين يأتي الليل تستعير أقدام ذلك الرّجل إحدى الشرفات الطيّارة كي يُسكن إليها قلبه. يحبّك يقول، ويغشّ كلّ مساء وسائد العتمة. يتركها فارغة من كواحل النساء. حين يشعر بالوحدة يغشّ. فقط حينها ويشعر أنّه يلبسك. يمتلك زغبك تحت فتنة حبره. للحبر فتنة حين يسجّل اسمك بأظفار قلمه. كان دائما هكذا، يذهب إلى نساء لا يعرفهنّ وإليك كي يعترف للغياب بقدرته على استفزازه. إنّه ينعفه دائما على ورق امرأة مثلك تعتنق الغياب. حين يريدها لا تأتي، وحين تكون يسرقه رمل حيفا. يعثر دائما على ذريعة كي يعود إليك محمّلا بالحبر والتبر معا. تحت الرّمل يعثر عليه دون توقف. وأنت تستغربين دون توقف أيضا من أين يأتي بهذا الوهج. يسحبه خلفه مثل رجل تلك البقجة الّتي تبدو بحجم عالم خلف ظهره. لكنّ بقج الرّجل الّذي يتوهّج بك خفيفة ورشيقة تحمله أكثر ممّا يحملها، ويشغله دائما حبُّ القمح الّذي ستمتلىء به جيوبها. عنكِ قال ذات مرّة، أنّك قادرة على استنزال القمح من الغيم، وتفعلين دون جهد. بمجرّد أن تهمسي، يا غيم انتعش، يتضاحك القمح في الفضاء، وينزل على كفيك نزول شتاء. عصي على الفهم ما يحدث بينك وبين الغيم والحمام. كلّ الحمامات تطير كي تعود قريبا من سبائك القمح التي بين عينيك. تلوّح من بعيد كي تستثير البدن أوّلا ثمّ تثير عاصفة حول الشفاه. تحنّ الشفة حينها لريق الجوع وحموضة العناق.
شعرها تطلقه للرّيح رسائله سريعة ومختصرة. تركض عبر المواقع كأنّها تبحث عن قصد أو غير قصد عن امرأة فالتة. امرأة تمتحن الإنفلات، أو تمتهنه هما سيّان. انفلات قلبها، خصرها، ومزاجها، وشعرها تطلقه للرّيح دائما. تضمّه على شكل سبائك قمح وترسله إلى المغر والغيلان. كالقمح الّذي تعلف به حمامات النافذة وورد الشرفة. فالأزهار الّتي تركها رجلها السابق تأكل القمح. أقصد تتناول أقراص القمح كي لا يبغتها الشوق، وتبهر الرّغبة عيون براعمها. رسائله قصيرة، وفواصله سريعة. تلاحظه يركّب السطور كـأنّه يركب قاربا تائها أو سفينة ضائعة، وكأنّه دائما رجل لأساطير مستحيلة. وأنّه سيعيد القوارب إلى موانئها، والسفن إلى مدنها والنوارس إلى مياهها الإقليميّة. أقاليم النوارس رحيل لانهائي للبلاد الّتي يكتبها كلّ صباح ملايين المرّات على نوافذ الوهم. يطوّبها في ذاكرة الناس الّذين يعرفهم والّذين يلتقيهم لأوّل مرّة. "يبدو أنّ الشوارع الّتي تمشونها ستكون موطنا لسكرات قلبي حين أعود"، يعد الوقت بالعودة، ويعد المكان بإقامة لا علاقة لشرطة الأحوال الشخصيّة مثلا بألوانها. يحاول أن يكون رسّاما كما تحاول هي المرأة الّتي يلاحق دعسات عطرها، لكنّه يعرف أنه يستطيع أن يكون رساما وفاشلا بامتياز، لأنّه لا يميّز الألوان حين تدقّ رأسه جدران يعشقها كلّها. ومن شدّة لهفته يلوّنها بكلّ الألوان كي لا يميّز بين حيطان أشواقه. "دولتكم عنصرية" يقول ولا يجوز أن أكون مثلها عنصريا عن سبق إصرار. تكفي ألوان تلك المرأة. إنّها تعرف كيف تلوّن الورد كما تلوّن الرّمل والبشر. حيطان حلمها ألوان مؤجّلة. أدقّ علبة كلامها وتظلّ صامتة. أحاكي الحمامات فتنثر حبَّها وحُبِّها. ترقص الحمامات على دندنة الصّباح وحدها بلا امرأة تفيض برصاص الحبر. لحبرها رصاص لا يعرف أن يكون عاديا. لا يحبّ أن يكون مسالما. تطلق شعرها للرّيح دائما. حاولتُ..... أن أوقع بها فخذلتني بداية. استدرجها قال: " أبحث عن شامة لنهدك بين سنابل القمح كي أعيد إليه اللبن" أدهشتها المقولة. " وأبحث عن زمنك يا سيّدة الزّمن، كلّ الزمن. لكنَّك تسكنين بعده، فكيف أعثر على نساء يصعدن في صوتك وحبرك وحربك، ورسم وجهك يجرح قزحيّة العين كلّما أدام السحر اللحاق بتعرّج الخد. كأنّ سطورك، يا سيّدتي لكلّ النساء اللواتي يستقلن من عمر الحكاية كي يبقين سرّها. لعمرك أعمار ولصوتك ارتجاف نجمة على فم ليل. مصيدة للقلب عطرك، يلف بالذّاكرة حتّى الضياع، لأجل ذلك ربّما ضاع الّرجل الّذي كان لك، وهل تعرفين يبدو أنّ ذهابه كان ضروريا لاستمرار الحكاية، حكايتك ليست لمخّه المحاصر بمراياه، حكايتك يا ملكة لأمراء الحياة" لا تنزعجي يا سيّدتي من المرأة أو النساء الّلواتي سحبنه. هنّ امرأة واحدة ولا يتّسعن لكعب حذائك. والبنت الصغيره الّتي يشتهي ودّها ستقص له شاربيه وذات يوم ستجعله أضحوكة . ذات يوم يا سيّدة الزمن سيستجدي الزمن. كتبتُ إليكِ، وأردت أن أكون ذاكرة لك. هذه أيّام تصلح لترميم أزقة الذاكرة الذّاهبة مع حمامات الصّباح. هل يعرف الرجل الّذي كنتِ له هذا الملاك الّذي يسكن عليّاتك؟ عند الصباح ألمحها تنقّ شوقك النائم بهديل قلبها. كلّما لمحني كلامك أخذني وسحبني من كمّ ارتباكي ككل الّذين انسحبوا قبلي، ومعي ألف محبرة تخربش، تنقنق، وتُشرِع جناحيها لهمس بارد يرشقه هواء البحر على بدن الدهشة. اعتراف الرّغبة دعسات قلبي خلفك. أتراجع أحيانا لكنني أعود عاصف الرّوح أقبّل نقنقة الحمام الّذي يزجل من شقّ نافذتك البردانة. أقبّل قلبك حينذاك، وخد يخيّل إليّ أنّه رسم مدينة تشبه حيفا، أو ربّما رسم الأسوار الّتي لعكا. تقولين أذهب إلى هناك كي أنتقي برجا مناسبا لمراقبة الحلم.أراك من هنا تقربطين بعنق البرج الأخطر. أخاف قليلا عليكِ، لكنني أهدأ دائما لأنك امرأة ألحقت هزائم بالخطر. أبتسم لك الإبتسامة الّتي تحبينها، وأضحك أحيانا الضّحكة الّتي تسمّينها ضحكة العسل. أسجّل ملاحظات طويلة على خراطيشي كي أمرّرها مغمض العينين حين ألمحك داخل علبة الكلام. أغلق عليك لهفتي وفقدي، وأحاصرك بالورد. أعرف كم يضعفك الورد الأحمر، وظهوره في حالة دوخان.. كأنّه يدور عني، قالت وهي تستعرض نزهات الورد الطويلة والخاطفة. حين ترسله إليّ متفككا على تلك الحالة أتذكّر حكايا كثيرة كانت تفيض بها عمّتي حين كنت طفلة قبل النوم. كانت تَشرُقُ ريقها بشدّة وتغمض عينيها على طقس سحر. تدور بي الغرفة وبها وبمدفأة الحطب. هكذا تبدو نزهات وردك نزهة فيض، ليست لديّ تسميات أجمل تليق بانتشاء الورد. هل أخبرتك أنّ الرجل الّذي أحبني وتمنيت شوقه دوّخ الورد وشوكه لكثرة ما نسج أردية للغياب. لا يحبّ الغياب أن يلاعبونه، قلتَ. ولا أحبّ أن يلاعبوا وردي، قلتُ. أنتٍ وهو إذن صديقان، أضفتَ. جرّبي أن تعلّقي وردة من النّوع الّذي يدوخ على منشر غسيل، بعد ذلك أطلّي على حبقي وخبّريني ماذا تهمس البتلات للورق. وسوف تفهمين حينها كيف ذهب ذلك الرجل. ضحكت لأوّل مرّة منذ بدأ يسترق الكلام ويتفكك داخل علبة زهرها. قتله همس البتلات إذن!
اعتراف الدهشة
لكنّ الّذي يحدث حين تلمعين داخل علبة الكلام أنّك تخرسين قلبي عن نقّ حكايته، وتسترجعين الحمام، كأنّه مشدود إليك بسلاسل ثرثراته الصباحية. ألمحه منسجما مع ثرثراته وأنت تنعفين الحلم على ريشه وتلمّعين بكوعك مناقيره. حرفة النثر ممهورة بصوتك، هكذا يقولون، ناثرة بامتيار. أعجب بعدهم، كيف يقولون ناثرة وأنت قاصفة بامتياز!
يقلّم أجنحة الحمام بمقصّ الورد، ويتهمها بالقسوة. يخبرها ألا تكون قاسية مع ريشها. لا يصدّق أنّها لا تنتف ريش الحمامات البيض، وأنّها تعرف فقط كيف تهدّد تاجها بالمعط إن عادت أيّام الآحاد إلى إيقاظها من النوم. "هذه الحمامات تترك نوافذ الناس وتأتي إلي" احتجّت عنه. ومنذ جاءت كفّ عشقها عن الكلام. أصبحت هي من يوشوش عنه. أصبح جواد خلف دائرة القلب، وأصبحت تحمحم الأبعاد الّتي نسيها تحت كعب حلقه. أحبّته حبّ أبد وأحبها حبّ سبب. كعوب كثيرة سدّد لحلقه، ولقد تفنن وقتا على شواطىء الدّعابة. لفت انتباه الحمامات حين وصل. نسيها وبدأ يكاغيها كأنّها الطفل الّذي ينتظره. استغربت هي كثيرا، وحقدت على سرب الحمامات الّذي أصغى بحرص إلى صوته وفزع لملاقاته. كانت حمامات إناث يزيّن عنقها طوق أرجواني. ظلّت تغمز له وتغمره، يا لدهاء النساء !
لم تبرح مكانها . بقيت تختلس نظرات جانبية إليه وتفتنه بكحلها. وبقي هو ساكتا على الكرسي يسترسل لموج السّماء مرّة ولموج كحلها مرّة. فتنته الحمامات ونسيني. حين عدت إليه مع القهوة وجدتها في حضنه يلاعب ريش عنقها. تركته هكذا ما يزيد عن سبع دقائق. حين تركها فتّش عن شعري كي يلاعبه فهربت إلى موج الورد الّذي يكبر على شرفات البيت. طلبت إليه أن يغسل يديه من رائحة الزغب. ضحك ضحكة العسل، وهمس، "كلّك زغب. حذّرته من بعيد، "زغب برائحة موج". بعد قليل أخذتُ دور الحمامة على ركبتيه.
لم تناقش صمته ولا ناقشت كلام أصابعه لشعرها. أحبّ الصمت كثيرا، خنقها صمته. صارت تحكي للحمامات أكثر ممّا تحكي له. وفي لحظة شوق قاصف قصفت عشقها له. أرادت أن يفهم أنّها لن تقدر على البقاء مع رجل يحبذ زغب الحمام وزغب النّساء على حدّ سواء. بقيت امرأة تحبّ رجلا يعيش وراء الغيم ومع الوهم.
لهفة
تتذكّره حين تستيقظ الحمامات صباحا وتدور حول نفسها، فتمسح قلبها بظاهر يدها وتتحصّن داخل الملابس السّوداء الّتي أحبّ أن ترتديها كلّما خرجا إلى شوارع القهوة. حين تحسّه قريبا من موج شوقها تدهن قلبها بصمغ البعد. هكذا لن يفكّر بالدّخول، ستلتصقان قدميه بالعتبة. تبقى غالبا خلف علبة الكلام. تستفزّه، فيحتال عليها:
" الاحق نظراتك السّابحة في سماء متخيّلة، وأسأل كيف تتبعثرين هناك. عبّأتُ قوارير العطر الّتي فرغت في خزائن منافيّ بك، ملأتِ يا سيّدة الورد خزائني عطرا وهمسا. أستيقظ صباحا فأجد العطر يراشق الهمس الغرام. العطر يثرثر والهمس ينكمش على دفء أخبئه تحت الوسادة. حين يباغتني حنيني لغمزة خدّك أندفع نحوه. لكنّه يحب أن يظلّ باردا. أنا أصدّق هواجسي وأعتقد أنّك كلّّما أصغيتِ إلى الحمام الّذي يدور حول نفسه صباحا سيزداد يقين الرّجل الّذي فقدك بأنّه لك. الرّجال، يا سيّدتي يسحرهم هديل هذا الكائن الصغير في قلوبهم. وهنّ من سيعدنك إليه.
أنظري إلى قمصان الرّجال الّذين تصادفينهم في سحابة اليوم. فوق القميص الّذي يغيّب مسافة القلب هناك حمامة تهدل دون توقّف ، بطوق برّاق جدا وفاتن جدا. دوري على نفسك كما يفعل حمام الصّباح. ابتسمي له كلّما تذكّرك حين يستيقظ، وأنا سأنتظر انشغالك بريشها وأطواقها وهديلها.
بقيت أنت!
يتذكّرك الحمام، وأنا أدور على نفسي معه. أخبرتُ الإناث أنّك دائم السّؤال عن دورانها اليومي حول صوتها. الأزهار عادت إلى إشراقها. تفتّحت بكلّ ألوان الحياة. ولون الرّجل الّذي كنت أحبّه ذاب. بقي منه بضع أصص حبر وأقلام صبّار، وربّما وردات تعرف أنّ عطرها سيتبعثر أشواق. هذا القلب، يا سيّدتي ليس لك أنت. دعيهِ يكثر من لحظات الفقد حتّى يعثر عليه البرد.
....... عاد الحمام إلى نقرِ الحبِّ الأصفر عن عنقها كأنّه السّنبلة الوحيدة الّتي يحتفظ بها الحقل للحصيد.
حيفا - مايو 07
Rajaab60@hotmail.com