Copyright ©2008, IEEMS.NET
IEEMS
قصة : لقاء الشياطين .............. دكتور عبد الرحمن
أقرع
حفر
بأظافره المتسخة كوة صغيرة في جدار الكهف المظلم الرطب ليحفظ فيها صرة القطع الفضية
التي وهبه إياها الشيطان هذا المساء . كان يدمدم غضبا ويزفر غيظا لا يستطيع له
تنفيسا خوفا من أن يسمعه ولي نعمته الشيطان فيبطش به ، لقد توقع منه مكافأة مجزية
على ما أنجز ، كان الأولى أن يمنحه قطعا ذهبية على الأقل ..أجل : قطعا ذهبية ذات
بريق لامع أخاذ يسر الناظرين لا قطعا فضية باهتة بلون البرص ، فما أنجزه ليس
بالقليل الم يتقن القنص هذا الصباح ، ويسدد جيدا إلى رؤوس الأطفال لتخترق الرصاصات
الجماجم الغضة ناثرة الدم في كل ما حولهم .أو لا يشبع شهوة الشيطان مرأى أدمغتهم
الرخوة وهي تسيل من مخرج الجراح ممتزجة بالدم ؟ وأي شيء يرضي غرور هذا الشيطان إن
لم يشبعه انطفاء الزنابق في خدود الأطفال القتلى ، وشخوص أبصارهم نحو السماء
استنجادا باله كتب على نفسه الرحمة والعدل وقد أدركت أرواحهم البريئة وهي تزهق أن
لا مغيث في الأرض.
-(يبدو أن الأخيار أشد ذكاء منا معشر الأشرار عندما يصفون مولانا
الشيطان باللعين) همس في قرارة نفسه . غير انه أدرك أن همسه للنفس لم يكن آمنا
عندما اضطربت جدران الكهف ومادت أرضه من تحت قدميه لينعقد دخان كثيف كريه الرائحة
زاد الكهف ظلمة فوق ظلمته ونتانة فوق نتانته ليتجسد أمامه الشيطان تهتز قرناه غيظا
، ليمسك بتلابيبه صارخا فيه بأنكر الأصوات ناثرا لعابه الكريه في وجهه :- ويح أمك
!! أو تلعنني أنت أيضا وأنا ولي نعمتك ؟
-(معذرة يا مولاي ، والذي
جعلني لك تابعا لم تكن إلا زلة لسان ) أجاب وهو مرتعد الفرائض رعبا : صدقني ، زلة
لسان لا غير ، ربما هي أيضا وسوسة......) ثم صمت بغتة وقد أدرك خطورة ما كاد ينطق
به.
-(اخرس) صرخ في وجهه الشيطان بأنفاسه النارية النتنة، ثم تابع
قائلا : تريد أن تقول وسوسة شيطان ، أنا أقرب إليك من نفسك أيها المأفون فأنا مقيم
في دمائك، فحذار من التلاعب معي.
-(المهم)..قال الشيطان وهو
يذرع الكهف جيئة وذهابا ،- ( يجب أن تأتي الآن معي ، فهنالك رهط منا ينتظرون سماع
ما قمت به ، بعبارة أخرى : يريدون منك تقريرا ، ليخططوا للمرحلة المقبلة من العمل
الشيطاني . سأهبط الآن في الأرض فاتبعني حيث ذهبت ولا تلتفت يمنة أو يسرة) . قال
الشيطان ذلك ثم بدا يهوي في أرض الكهف ليتبعه هو دون أن يملك اعتراضا.
سار وراء الشيطان في أقبية الأرض المظلمة وأنفاقها النتنة الرطبة
حتى وصلا إلى بهو مهيب توسطته مائدة ضخمة اصطفت خولها عدة مقاعد ، فأراد أن يهوي
بجسده المنهك على أحدها لينال قسطا من الراحة ، بيد أن الشيطان انتهره صارخا
:
-( ابق في مكانك ، فلم تنل الحظوة بعد لتجلس ) قال ذلك رامقا إياه
بازدراء .
وبعد هنيهات انتظار ، مكثا خلالها واقفين على الأقدام فتح باب في
صدر المجلس ليخرج منه ثلة من الشياطين تتبعهم ثلة من الآدميين ببدلات فاخرة وربطات
عنق غالية الثمن، تمعنهم فاغرا فاه دهشة إذ عرف في ملامحهم وجهاء مجتمع كثيرا ما
تستضيفها الفضائيات لتطيل الردح ، مهاجمة بعضها بعضا ، وأكثر ما أثار استغرابه
وجودها معا هنا تحت الأرض بصحبة الشياطين ، ثم سرت في جسده رعدة حسد وغيرة عندما
رأى كبير الشياطين يشير بيديه إلى المقاعد الفخمة مرحبا ، حيث اتخذوا لهم مجلسا
لتدور عليهم كؤوس الضيافة الشيطانية ، وإذ ذاك تنحنح كبير الشياطين وبدأ الاجتماع
قائلا :
-( نجتمع اليوم أيها الأعزاء ، لنحتفل بنجاحنا الذي لعنتنا لأجله
رمال بحر غزة وماؤه ، ناهيك عن جموع الأخيار في الأكوان قاطبة ، واللعنة منهم هي
بمثابة المباركة في عرفنا الشيطاني. فقد تكللت جهود أحد عناصرنا الصغار في اقتناص
حياة مجموعة من الأطفال ستكون فاتحة شر على الخيرين جميعا ، وما كان هذا لينجح لولا
جهودكم الشيطانية المثمرة في إشاعة ثقافة الكراهية والترجيف في حنايا المجتمع ، مما
هيأ البيئة الصالحة لعنصرنا الجريء ليبدع بفعلته ) .
ابتلع كبير الشياطين ريقه الكريه ثم واصل حديثه:-( إن معركتنا مع
الوجود الخير فوق الكوكب تكمن في إثارة الفرقة بين الأخيار ليسهل علينا السيطرة ،
ولن نستطيع ذلك إلا إذا دمرنا عامل الثقة بينهم ، وعندما تتم الشرذمة ..وقتذاك لن
تضرنا لعتاتهم)
ضجت القاعة بالتصفيق الوقور ، فيما دفع به الشيطان المرافق له الى
زاوية المجلس ليدلي بتقريره